فخر الدين الرازي

187

الأربعين في أصول الدين

بيان المقدمة الأولى - وهي أن الملائكة رسل الله إلى الأنبياء - قوله تعالى : « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » ( النجم 5 ) « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ » ( الشعراء 193 - 194 ) « يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » ( النحل 2 ) وأما ( المقدمة الثانية وهي ) أن الرسول أفضل من أمته فلوجهين : الأول : ان رسول البشر أفضل من أمته ، فكذا هاهنا . فان قيل : العرف أن السلطان إذا أرسل واحدا إلى جمع عظيم ، ليكون متوليا لأمورهم ، وحاكما فيهم ، فذلك الشخص أفضل من ذلك الجمع . وأما إذا أرسل شخصا واحدا إلى شخص واحد ، لأجل الاعلام ، فالظاهر أن الرسول أقل حالا من المرسل إليه ، كما إذا أرسل الملك عبده إلى الوزير . قلنا : هذا مدفوع . لأن جبريل - عليه السلام - مبعوث إلى كافة الأنبياء - والرسل من البشر - فجبريل عليه السلام رسول ، وأمته كل الأنبياء . فعلى القانون الّذي ذكره السائل ، يلزم أن يكون جبريل أفضل منهم . الوجه الثاني : ان الملائكة رسل الله ، لقوله عز وجل : « جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا » ( فاطر 1 ) والملك اما أن يكون رسولا إلى ملك آخر ، واما أن يكون رسولا إلى البشر . وعلى التقديرين ، فالملك رسول وأمته أيضا رسل . وأما الرسول البشرى فهو رسول ، لكن أمته ليسوا برسل . ومعلوم : أن الرسول الّذي تكون كل أمته رسلا ، أفضل من الرسول الّذي لا يكون أحد من أمته رسولا . فثبت فضل الملائكة على البشر من هذه الجهة ، ولأن إبراهيم عليه السلام كان رسولا إلى لوط ، وكان أفضل منه . وموسى كان رسولا إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره ، وكان أفضل منهم . فكذا هاهنا .